السيد هاشم البحراني

54

البرهان في تفسير القرآن

« هل علمتم ما قذفت به مارية القبطية ، وما ادعي عليها في ولادتها إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فقالوا : يا سيدنا ، أنت أعلم ، فخبرنا . فقال : « إن مارية أهداها المقوقس إلى جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فحظي بها من دون أصحابه ، وكان معها خادم ممسوح ، يقال له : جريح ، وحسن إسلامهما وإيمانهما ، ثم ملكت مارية قلب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فحسدها بعض أزواجه ، فأقبلت عائشة وحفصة تشكيان إلى أبويهما ميل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى مارية ، وإيثاره إياها عليهما ، حتى سولت لهما ولأبويهما أنفسهما بأن يقذفوا مارية بأنها حملت بإبراهيم من جريح ، وهم لا يظنون أن جريحا خادم ، فأقبل أبواهما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو جالس في مسجده ، فجلسا بين يديه ، ثم قالا : يا رسول الله ، ما يحل لنا ، ولا يسعنا أن نكتم عليك ما يظهر من خيانة واقعة بك . قال : ماذا تقولان ؟ ! قالا : يا رسول الله ، إن جريحا يأتي من مارية بالفاحشة العظمى ، وإن حملها من جريح ، وليس هو منك . فاربد « 1 » وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتلون ، وعرضت له سهوة « 2 » لعظم ما تلقياه به ، ثم قال : ويحكما ، ما تقولان ؟ قالا : يا رسول الله ، إنا خلفنا جريحا ومارية في مشربتها - يعنيان حجرتها - وهو يفاكهها ، ويلاعبها ، ويروم منها ما يروم الرجال من النساء ، فابعث إلى جريح ، فإنك تجده على هذه الحال ، فأنفذ فيه حكم الله . فانثنى النبي إلى علي ( عليهما السلام ) ، ثم قال : يا أبا الحسن ، قم - يا أخي - ومعك ذو الفقار ، حتى تمضي إلى مشربة مارية ، فإن صادفتها وجريحا كما يصفان ، فأخمدهما بسيفك ضربا . فقام علي ( عليه السلام ) ، واتشح بسيفه « 3 » وأخذه تحت ثيابه ، فلما ولى من بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، انثنى إليه ، فقال : يا رسول الله ، أكون في ما أمرتني كالسكة المحمية في العهن « 4 » ، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : فديتك يا علي ، بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب . فأقبل علي ( عليه السلام ) ، وسيفه في يده ، حتى تسور من فوق مشربة مارية ، وهي في جوف المشربة جالسة ، وجريح معها يؤدبها بآداب الملوك ، ويقول لها : عظمي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولبيه ، وكرميه ، ونحو هذا الكلام ، حتى التفت جريح إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وسيفه مشهور في يده ، ففزع جريح إلى نخلة في المشربة ، فصعد إلى رأسها ، فنزل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى المشربة ، وكشفت الريح عن أثواب جريح ، فإذا هو خادم ممسوح ، فقال له : أنزل يا جريح . فقال : يا أمير المؤمنين ، آمنا على نفسي ؟ فقال : آمنا على نفسك . فنزل جريح ، وأخذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بيده ، وجاء به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأوقفه بين يديه ، فقال له : يا رسول الله ، إن جريحا خادم ممسوح . فولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) [ وجهه إلى الجدار ] ، فقال : حل لهما نفسك - لعنهما الله - يا جريح ، حتى يتبين كذبهما ، وخزيهما ، وجرأتهما على الله ، وعلى رسوله . فكشف عن أثوابه ، فإذا هو خادم ممسوح ، فأسقطا بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقالا : يا رسول الله ، التوبة ، استغفر لنا . فقال رسول

--> ( 1 ) أي احمر حمرة فيها سواد عند الغضب . « المعجم الوسيط - زبد - 1 : 322 » . ( 2 ) في « ط » : شهوة . ( 3 ) أي لبسه . ( 4 ) العهن : الصوف . « لسان العرب - عهن - 13 : 297 » .